الأربعاء، 18 يناير 2012

الأمل






لقد كنت في العاشرة من عمري حينما شخصت بالمرض , لم أكن أعي بخطورة مرضي ولكني حزنت لرؤية أمي تبكي كل يوم ! مللت من النوم على الفراش ! تساءلت لماذا لا أستطيع اللعب كباقي الأطفال! لماذا لا أمتلك شعرا كشعر جميع البنات !
أخبرنا الأطباء بضرورة إجراء عملية لاستئصال الورم ولكنهم أكدوا خطورتها على صحتي , أجريت العملية فقد كانت أملي الوحيد , وتمت العملية بنجاح ...ولكن هذا ما اعتقدنا حتى جاء اليوم الذي عاد فيه المرض , هذا المرض اللعين, الكابوس المزعج .. يا ترى متى سينتهي !!
ازدادت حالتي سوئا فعدت للمشفى مرة أخرى على أمل الشفاء , ولكني كنت قد فقدت الأمل في العيش و أحسست بدنو آخرتي ,تمنيت الموت بشدة لأرتاح و أريح كل من حولي و لكن الله أرسل لي من يخفف عني و يزيل عني حزني .
ذات يوم كنت أحس بالحزن فأخذت أبكي  في غرفتي بالمشفى  ,فسمعت طرق الباب فنظرت لأرى من الطارق , فإذا به شاب وسيم في العشرينات من عمره سألني :  ما بك ؟ فأجبته والدموع تملأ عيناي  : تعبت من المرض تعبت من الإبر و الأدوية ,أريد أن أرتاح .خرجت الكلمات مني من دون تفكير وقبل أن أستطيع أن أوقف نفسي .  اقترب مني وجلس على طرف فراشي , بدأ يحدثني عن القضاء والقدر وعن الأمل والتصديق بالمعجزات . سخرت من كلامه بشدة و أخبرته بأنه لن يحس بما أشعر به إلا مريض مثلي فأجابني بجواب لن أنساه ما حييت , قال لي: ليس كل  مريض مريضا وليس كل سليم سليم فالمرض ليس مرض البدن بل مرض الروح .
بدأ يأتي لزيارتي باستمرار , كان كتوما قليل الكلام ،ولكنى كنت ارتاح في وجوده فقد كان يخفف عني الكثير ، والغريب أنه لم يكن ينظر لي بنفس نظرة الشفقة التي كنت أراها على وجوه الجميع, كنت أخبره بمعاناتي مع المرض و كان متفهما جدا لكل ما كنت أعاني منه . مرت الأيام وكثرت زياراته لي , حتى تعلقت به جدا وبدا حبي له يكبر يوما بعد يوم علمت بأنه كان يبادلني نفس الشعور لأنه كان يرسل لي زهورا كل يوم ومعها كارت مكتوب عليه : لا حياة بلا أمل ، كوني الأمل . كنت أفرح جدا برؤيته ولم أكن أتحمل غيابه , فقد كان يغيب عني بالأسابيع بحجة الدراسة .
وذات يوم بينما كنا نتحدث بغرفتي طلب يدي للزواج ,فرحت للغاية ولم تسعني الدنيا من الفرح , ضمني بحنان , وتمنيت ألا يتركني أبدا , كنت أتحدث إليه ولكن بلا رد ففزعت وحاولت ايقاظه ظننا مني بأنه نائم , ولكن بلا جدوى فصرخت بأعلى صوتي وناديت الممرضين فجاءوا وأخذوه لغرفة الطوارئ . انتظرت عدة ساعات حتى خرج الطبيب وعلى وجهه نظرة اليأس , أخبرني بأن أحمد كان يعاني من المرض منذ مدة ولكنه لم يرد أخباري وأن حالته ميؤس منها,أحسست بالضياع , يا ألله كيف يعقل هذا ! لماذا لم يخبرني! سبحان الله لقد كان أحمد يجلس ويستمع لي و أنا أتذمر من الحياة كل يوم , وهو الذي كان يعاني بصمت !لقد علم بقرب وفاته ولذلك أراد أن يعجل بمراسم الزواج !
 تم الزواج وعشت أجمل سنين حياتي بقربه , حتى حان وقت الفراق .. توفي أحمد بعد مضي عام من زواجنا وتركني وحيدة أصارع الموت و أعاثر لأجل الحياة ..
طالما تمنيت الموت قبل لقائي بأحمد ولكن بعدما رأيته وتعرفت عليه علمني التمسك بالحياة ... علمني معنى الأمل و التفاؤل حتى في أصعب الأوقات..
كنت أحترق شوقا له كل يوم .. لا بل كل لحظة ولكني كنت أتذكره وهو يوصيني بالصبر , أتذكره وهو يوصيني بعدم الاستسلام ..

عشت حياة مليئة بالتساؤلات ومليئة بالحزن والألم ولكن مرضي لم يقهرني ولم يوقفني من تحقيق أحلامي , فأحمد علمني أن المرض ليس إلا دافعا للمضي قدما و للاستفادة من كل يوم تبقى لي .
سأشتاق له مع كل دقة قلب ..
ولكني سأتحلى
                          بالأمل ....

بقلم : روان زين العابدين ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق